من تجميد البطولات الآسيوية إلى احتمالات انسحاب إيران من المونديال
أخبار حياة – رامي المعادات – لا شك أن كرة القدم، رغم كونها اللعبة الأكثر شعبية في العالم، تبقى واحدة من أكثر المجالات تأثراً بالأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تدور حولها، فالرياضة التي تجمع الملايين في الملاعب والشاشات لا تعيش في فراغ، بل تتأثر بشكل مباشر بالأزمات والحروب وحتى الجوائح الصحية العالمية.
وقد أثبتت التجارب السابقة ذلك بوضوح، خصوصاً خلال جائحة كورونا التي عطلت البطولات وأوقفت المنافسات وأجبرت الاتحادات الرياضية على إعادة جدولة المسابقات حول العالم. وما زالت آثار تلك المرحلة حاضرة في كرة القدم حتى اليوم، سواء على مستوى الجدولة أو الاقتصاد الرياضي.
وفي السياق ذاته، تعود كرة القدم اليوم لتواجه تحدياً جديداً يتمثل في الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، وهي حرب أثارت مخاوف واسعة في الأوساط الرياضية من تداعيات محتملة قد تطال البطولات والمنتخبات واللاعبين على حد سواء.
وبحسب متابعين للشأن الرياضي، فإن تأثير هذه الحرب قد يكون أكثر تعقيداً وتشعباً مقارنة بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، التي اقتصرت آثارها بشكل رئيسي على إقصاء المنتخب الروسي من البطولات الدولية والأوروبية.
أما الحرب الحالية، وبسبب اتساع نطاقها الجغرافي والسياسي، فقد تمتد تأثيراتها إلى عدة دول ومسابقات، ما يجعل المشهد الكروي أكثر تعقيداً.
- الحرب وكأس العالم
مع دخول الحرب أسبوعها الثاني عشر، بدأت تداعياتها تظهر بوضوح داخل كرة القدم، خصوصاً فيما يتعلق بإيران نفسها، التي اتخذت خطوات مباشرة تمثلت في إيقاف النشاط الكروي المحلي وإلغاء جميع البطولات في ظل استمرار المواجهات العسكرية.
ويعد هذا القرار متوقعاً في ظل الظروف الأمنية، إلا أن الأوساط الرياضية والسياسية الإيرانية بدأت تشهد أيضاً حالة من الجدل حول مشاركة البعثات الرياضية الإيرانية في البطولات الخارجية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يتردد حالياً بشأن مشاركة المنتخب الإيراني للسيدات في بطولة كأس آسيا المقامة في أستراليا، حيث تحدثت تقارير إعلامية عن وجود رقابة مشددة على بعثة المنتخب من قبل جهات أمنية إيرانية، مع تحذيرات للاعبات من التطرق إلى أي قضايا سياسية في ظل الحرب المندلعة.
لكن التطور الأبرز تمثل في تسريبات إعلامية من داخل إيران تشير إلى احتمال كبير بعدم مشاركة المنتخب الإيراني في نهائيات كأس العالم المقبلة التي ستقام في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما قد يمهد لانسحاب رسمي من البطولة في حال استمرار التصعيد السياسي والعسكري.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن كأس العالم قد يواجه حالة من الجدل والفوضى التنظيمية، نظراً لانسحاب منتخب تأهل بالفعل إلى النهائيات. إذ لا توجد آلية واضحة ومحددة بشكل قاطع لاختيار البديل في مثل هذه الحالات.
ومن بين السيناريوهات المطروحة في النقاشات الرياضية:
اختيار المنتخب الذي حقق أعلى عدد من النقاط في التصفيات دون أن يتأهل.
منح المقعد للمنتخب الذي وصل إلى الملحق الآسيوي، مثل منتخب العراق.
اعتماد التصنيف القاري أو الدولي كمعيار لاختيار البديل.
وفي حال اختيار أحد المنتخبات التي كانت مرشحة لخوض الملحق، فإن ذلك سيثير تساؤلات إضافية حول مصير مباريات الملحق المقرر إقامتها في المكسيك، ما قد يفتح الباب أمام نقاشات موسعة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم.
كما تحدثت بعض التسريبات في الصحف الرياضية العالمية عن محاولات من بعض الاتحادات لاستغلال الأزمة، من خلال طرح فكرة اختيار منتخب بديل يستطيع “خدمة البطولة” بشكل أفضل، وهو مقترح يراه كثيرون مجحفاً بحق القارة الآسيوية.
بل إن بعض الآراء ذهبت إلى حد اقتراح أن تختار الولايات المتحدة منتخباً بديلاً لإيران، وهو طرح غير منطقي ولا يحظى بقبول في الأوساط الرياضية الدولية.
وفي خضم هذه الفوضى، برز اقتراح آخر يتمثل في مشاركة إيران في كأس العالم على أن تلعب مبارياتها في المكسيك فقط، دون خوض أي مباريات على الأراضي الأمريكية. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فرضية أن المنتخب الإيراني قد لا يتجاوز الأدوار المتقدمة في البطولة، ما يعني أنه يمكنه المشاركة دون اللعب في الولايات المتحدة.
غير أن تطبيق هذا السيناريو يبدو معقداً للغاية، إذ سيتطلب من الاتحاد الدولي لكرة القدم إقناع أحد المنتخبات الموجودة في مجموعة المكسيك بالانتقال إلى مجموعة أخرى، وهو أمر لم يحدث سابقاً في تاريخ البطولة.
أما في حال قررت إيران الانسحاب رسمياً، فمن المرجح أن يقدم الاتحاد الإيراني لكرة القدم ملف انسحاب ذي طابع إنساني، يبرر القرار بتوقف الدوري المحلي واستمرار الحرب، لتجنب أي عقوبات محتملة قد تفرض في حال ربط الانسحاب بأسباب سياسية.
- تداعيات الحرب على كرة القدم الآسيوية
تأثيرات الحرب لا تقتصر على المنتخبات الوطنية فقط، بل امتدت أيضاً إلى البطولات القارية، وعلى رأسها دوري أبطال آسيا.
فقد تم تجميد مباريات البطولة في منطقة غرب آسيا نتيجة توقف العديد من الرحلات الجوية في المنطقة، وهو ما جعل استكمال المباريات في الوقت الحالي أمراً شبه مستحيل من الناحية اللوجستية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التجميد إلى اضطراب كبير في جدول البطولات الآسيوية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
ولا يستبعد بعض المراقبين أن تصل الأمور إلى حد عدم استكمال بعض البطولات خلال الموسم الحالي، في حال استمرار التصعيد العسكري وتأثيره على حركة السفر والتنقل بين الدول.
كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤثر على استضافة البطولات الرياضية في المنطقة، إذ قد تتردد الاتحادات الدولية في منح حق التنظيم لدول قريبة من مناطق التوتر.
وتكمن المشكلة الأساسية، بحسب تقارير تحليلية، في أن الحرب الحالية تبدو غير متكافئة من حيث الإمكانات العسكرية والتكنولوجية بين أطرافها، إلا أن الطرف الآخر ما زال قادراً على تهديد بعض الدول في المنطقة، ما يبقي حالة القلق قائمة حتى في حال توقف القتال مؤقتاً.
- بطولة ميسي ويامال تحت التهديد
ومن بين البطولات التي قد تتأثر أيضاً بتداعيات الحرب، البطولة المرتقبة التي قد تجمع بين منتخب الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي ومنتخب إسبانيا الذي يضم النجم الشاب لامين يامال.
وتشير التوقعات إلى أن هذه البطولة، المعروفة باسم بطولة الفيناليسيما والتي تجمع عادة بين بطلي أوروبا وأمريكا الجنوبية، قد تواجه خطر الإلغاء أو التأجيل بسبب الأوضاع السياسية والأمنية.
وتدور الخيارات المطروحة حالياً حول احتمالين رئيسيين:
إلغاء البطولة بالكامل.
تأجيلها إلى موعد قريب من انطلاق كأس العالم لتكون بمثابة بطولة تحضيرية للمنتخبين.
ويرى كثير من المتابعين أن الخيار الثاني هو الأكثر منطقية، لأنه يمنح المنتخبات فرصة الاستعداد للمونديال دون إلغاء البطولة بشكل نهائي.
كما طُرح اقتراح ثالث يقضي بتأجيل البطولة إلى ما بعد كأس العالم، إلا أن هذا السيناريو قد يفقدها جزءاً كبيراً من قيمتها التنافسية والإعلامية.
ومن المقرر أن تقام هذه المواجهة في ملعب لوسيل بالعاصمة القطرية الدوحة، لكن استمرار الحرب قد يجعل مصيرها محل شك حتى إشعار آخر.
- كرة القدم والسياسة .. علاقة يصعب فصلها
في النهاية، تعكس هذه التطورات حقيقة قديمة تتكرر في كل أزمة دولية، وهي أن كرة القدم ليست مجرد لعبة منفصلة عن الواقع السياسي.
ففي اللحظات الحاسمة، تتداخل الرياضة مع السياسة بشكل واضح، سواء في قرارات المشاركة أو الاستضافة أو حتى تنظيم البطولات.
وقد عبّرت صحيفة “إسبانيول” الإسبانية عن هذه الحقيقة في تقرير سابق قالت فيه إن الاعتقاد بأن السياسة وكرة القدم منفصلتان كان “خدعة استمرت لسنوات”، مؤكدة أن الواقع يثبت أنهما متداخلتان بشكل يصعب فصله.
وبينما تبقى كرة القدم بالنسبة لملايين البشر مساحة للفرح والالتقاء، فإن الأزمات الكبرى تذكّر دائماً بأن هذه اللعبة، مهما بدت بعيدة عن الصراعات، تظل جزءاً من عالم يتأثر بكل ما يجري فيه.
