محليات

رجل الإعمار الأول.. رائف نجم الذي دفعه حُبّ القدس للتخلي عن حقيبة الأوقاف بعد انطلاق "مفاوضات السلام"

بلال العبويني • 25, تشرين الثاني, 2021 10:08 ص

بلال العبويني

أخبار حياة - لُقب برجل الإعمار الأول، وتعلق بالقدس ومقدساتها وحفظ تاريخها عن ظهر قلب، وترك منصب وزير الأوقاف مع بدء قطار "مفاوضات السلام" في مدريد.

القدس كانت السبب، فهي البوصلة بالنسبة إليه التي لا يجب أن تخطئ اتجاهاتها، وهي التي كرس لها كل جهد منذ زمن بعيد، كيف لا وهو أول من اقترح تسجيل القدس على لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني، ثم تسجيلها على قائمة التراث المهدد بالخطر.

تشهد قبة الصخرة المشرفة للمهندس رائف نجم أنه هو من وضع مخططات ترميمها وحل مشكلة تناسق القبتين الداخلية الخشبية والخارجية المعدنية بعد أن كانت المحاولات السابقة تنتهي بتشقق القبة.

أوجد المهندس رائف حلولا لتذهيب قبة الصخرة المشرفة، وهو الذي كرس كل جهده في خدمة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، حيث عمل مطولا على وضع مخططات البنية التحتية والإنارة والمياه والتبليط وترميم الأسوار وسقف المسجد القبلي.

ذلك الجهد وأكثر رأى النور في مكتبه الهندسي في العاصمة الأردنية عمان، ولم يثنه عن مواصلة ما بدأ به أي عائق رغم ما تعرض له من ضغوطات صعبة.

المهندس رائف نجم المولود في القدس عام 1926، درس الهندسة المدنية في جامعة القاهرة، التي كان اسمها على زمانه جامعة فؤاد الاول، تسلم في المملكة الأردنية الهاشمية مناصب مختلفة وصل فيها إلى حمل حقيبة وزارة الأشغال العامة والإسكان في العام 1984، ثم أصبح في العام 1991 وزيرا للاوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.

اهتمامه في القدس، لم يكن لأنها مسقط رأسه فحسب، بل شكلت هزيمة العام 1967، التي أسماها العرب بـ "النكسة"، غصة في قلبه تحديدا بعد أن عملت العصابات الصهيونية على إحراق المسجد الأقصى، ما دفعه فيما بعد لتكريس جل وقته لإعادة إعمار المسجد وما لحق بمبر صلاح الدين من أذى.

فشغل منصب، رئيس لجنة إعمار المسجد الأقصى، وكان يملأ مكانه منطلقا من عقيدة لا تزيح بضرورة الحفاظ على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

انشغال المهندس رائف نجم بالقدس لم يقتصر على الحرم القدسي، بل ظل على قناعة ان القدس المدينة عربية إسلامية ويجب ان تظل كذلك، لذلك توسع جهده للمحافظة على البيوت والمنازل العربية في المدينة المقدسة مدافعا عنها ضد هجمات العصابات الصهيونية التي عملت ومازالت على قضم المزيد من أراضي القدس ومصادرة بيوتها لتهويدها.

رسم المنهدس نجم مخططاته لإعادة ترميم البيوت القديمة في القدس، كما عمل على إعادة ترميم المحال في الأسواق المقدسية لتبقى شاهدة على ما ارتكبه بحقها الاحتلال الصهيوني ولتظل شاهدة على الحق العربي الفلسطيني في أرضه ومقدساته.

عرف المهندس رائف نجم القدس وحفظ تاريخها عن ظهر قلب، فظل طوال سني عمره الأرشيف الذي يستعان به كلما طلبت الحاجة لمعلومة عن القدس المدينة ومقدساتها، كما ظلت حجته قوية وحاضرة في ضحد إدعاءات الصهاينة وأساطيرهم المرتبطة بما يزعمون أن هيكل سليمان تحت مبنى المسجد.

رائف نجم، لم يتخل عن مبدأه أبدا وظل منسجما مع مشروعه ورؤيته وإيمانه بالقدس وبالموقف من الاحتلال الصهيوني، لذلك عندما بدأت محادثات مدريد للسلام تقدم باستقالته من منصبه وزيرا للاوقاف، حتى لا يتزحزح مؤشر البوصلة عن القدس.

ظل رائف نجم وفيا للقدس حتى آخر أيامه، وكان قد تبرع قبل وفاته بمكتبته التي تضم آلاف الكتب والمخطوطات العملية لمكتبة اللجنة الملكية لشؤون القدس، فضلا عن مؤلفاته التي خطها بيده وهي:

كتاب كنوز القدس عام 1983م، ونحو خطة عملية لإعمار المقدسات 1985م. والقدس خلال مرحلة الاحتلال الإسرائيلي 1983م. والقدس أنموذج للتعايش السلمي 1991م. والإعمار الهاشمي في القدس 1994م. وفي رحاب العلم والإيمان 1986م. والإعجاز العلمي للقرآن الكريم برهان النبوة 1980م. ودليل القدس منظمة التحرير الفلسطينية 1995م. والمواصفات العامة للأبنية 1972.

المهندس رائف نجم، أغمض يوم امس الأربعاء 24 تشرين الثاني/ نوفمبر إغماضته الأخيرة في العاصمة عمان عن عمر ناهز التسعين عاما أمضى منها نحو ستين عاما في الدفاع عن القدس وتوثيق تاريخها وإعمارها.

ابقَ على تواصل

مقالات مختارة