ملاحظات تأسيسية حول الموقف الأردني في الحرب الجارية

سامح المحاريق

تمتد جذور الحرب الراهنة التي تحركت بعد العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران إلى أكثر من عشرين سنة، وتحديدًا شهر نيسان 2003 الذي شهد احتلال بغداد من قبل القوات الأمريكية، حيث أدرك الأردن مبكرًا أن الخلل والفجوة التي يمثلها التغيير الفوضوي على الطريقة الأمريكية في العراق سيؤدي إلى واقع جديد في المنطقة، وكان الملك عبد الله الثاني تحدث عن “الهلال الشيعي” في مرحلة مبكرة في وصف ليس مذهبيًا بقدر ما هو تعبير عن وقائع سياسية واضحة، ستؤدي إلى حالة عميقة من التوتر لأن إيران تطرح برنامجًا يقوم على الشعبوية والتعبئة، من غير أن تمتلك رؤية واضحة لما هو أبعد من ذلك.

تصاعد الأحداث في سوريا الشقيقة لم يجعل من الممكن الوصول إلى أجواء ايجابية بين عمان وطهران، ولكن لم يكن ثمة عداء معلن بين البلدين، ولكن مجرد توتر سياسي كان يجد فرصة للتهدئة في بعض محطات التقارب التي تبديها إيران تجاه جوارها العربي، فالأردن بجانب وقوفه على ضبابية الرؤية الإيرانية وأثرها السلبي في المشرق العربي، يهتم بدول الخليج وأمنها واستقرارها على أسس قومية مبدئية، وأخرى جيوسياسية واقتصادية.

مع جيرانه في الخليج يعلن الأردن بوضوح أن الحرب التي تجري ليست حربه، ولا يمكن أن يتورط فيها، ولا يمكن أن يوجه سلاحه في نفس الاتجاه الذي يسلكه السلاح الإسرائيلي، إلا إذا توسعت الاعتداءات الإيرانية على أي من الدول الخليجية الشقيقة لتشكل تهديدًا كبيرًا على أمنه وسلامة مواطنيه والمقيمين على ترابه، مع تحذيره الدائم من هذه الحالة من الاستدراج.

تتمثل الإشكالية بخصوص هذه الاحتمالية التي يدفعها السلوك الدبلوماسي الأردني والخليجي بعيدًا، في وجود أكثر من قيادة داخل إيران، فبينما يعتذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن استهداف دول خليجية وعربية، يتجاهل الحرس الثوري الاعتذار ويواصل توجيه الصواريخ والمسيرات للدول المجاورة.

ويدرك الأردن أن احتمالية الحرب الواسعة أيضًا قائمة، بل ويتصرف على هذا الأساس، فالحرس الثوري عقائدي بالدرجة الأولى، وكثير من الضباط الأردنيين شاركوا في مهام مع الشقيقة العراق إبان حرب الخليج الأولى 1980- 1988، ويعرفون المدى الذي يمكن أن يصله الإيرانيون في حالة الاصطدام بتهديد وجودي، ولذلك تبدأ إدارة الأزمات بقيادة ملكية الحديث عن سيناريوهات مقبلة، وما يدعو للطمأنينة على مستوى الإمدادات الأردنية هو العلاقة المتصاعدة مع دمشق، لأن التهديدات يمكن أن تلحق بباب المندب كما هي في مضيق هرمز.

السؤال المؤرق فعليًا هو في إمدادات الغاز، خاصة أنها تمثل ضغطًا كبيرًا على الأردن من الناحية الاستراتيجية بعد انقطاع الغاز المصري وانسحاب مصر من تصدير الغاز للتركيز على الإسالة وعمليات النقل والتوزيع، وهذه المشكلة يمكن احتواؤها بالاعتماد على مصادر طاقة أخرى، ولكن بتكلفة مرتفعة نسبيًا.

الغاية من التحوط الأردني هي الإدراك أن هذه الحرب انطلقت لاستغلال فرصة تصب في مصلحة إسرائيل، وأن الأمريكيين لا يملكون رؤية بخصوصها ولا جدولًا زمنيًا، ولا دراسة تحليلية للسيناريوهات.

الأردن في وسط ذلك يبدو من الدول المعنية بمرحلة ما بعد الحرب، والجانب الإسرائيلي الذي يمكن في حال تحقق السيناريو الأفضل بالنسبة له، سيواصل عمليات الضغط على الأردن من خلال الضفة الغربية ووأد مشروع الدولة الفلسطينية، ومن خلال محاولة إحداث مزيد من التمدد داخل سوريا، وهذا ما يجعل الأردن ينظر لهذه الحرب بوصفها مقدمة لصراع جديد ومختلف ومتعدد الفصول، ولا يقع في تصور أنها النهاية.

يسعى الأردن في المقابل إلى وضع مقاربته على الطاولة بما يختص بالأمن العربي الإقليمي خاصة بعد استهلاكه لسنوات في تجاذبات غير ضرورية وغير منتجة كثيرًا ما أدت إلى تفويت الفرص، للدرجة التي يصبح الحديث عن موقف عربي أمرًا غير واقعي، وكل ما يحدث هو حالة من التوافق لا ترتقي لبناء صف موحد يستطيع أن يواجه التحديات المقبلة، وغالبًا سيكون الأردن ومصر حاضرتين بعد أن تضع الحرب أوزارها بغض النظر عن الصيغة التي ستنتجها للحديث عن إعادة ترتيب البيت العربي بناء على الدروس المستفادة والتي أظهرت ضرورة وجود الدافعية الذاتية داخله خارج فكرة التحالفات التي تذهب لها كل دولة على حدة في ضوء عالم يشهد انزياحات كبرى في المصالح وفي استراتيجيات المنافسة والمواجهة.