مقالات

الذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية

مالك عثامنة

الارتباك الذي نشعر به في فهم العالم الذي نعيشه بكل تفاصيله ليس إلا أعراض الحالة، ليس الحالة نفسها.

وهذا طبيعي جدا أمام استدارة سريعة “نسبيا” وكاملة في منهجية كل ما اعتاد الناس عليه في العلاقات الدولية.

التكنولوجيا التي تقدمت حتى صارت في كل بيت، ونحملها في اليد تدهشنا بالتواصل، لكن لو علمنا كم هي أعمق بكثير مما قد يصل إليه خيالنا مهما وصل لكانت الدهشة عصية على الوصف.

المتغيرات كثيرة في عالمنا، وكل منها يأخذ هذا العالم “ونحن ركابه الوحيدون” نحو منعطفات جديدة: الطاقة ومصادرها تغيرت حتى صار الحديث عن “تكنولوجيا الطاقة النووية” نفسه كلاما قديما، قطاع النقل “الأفراد والبضائع” مفاهيمه تغيرت مما يضع فكرة الحدود والدول امام محنة تفاهم مع الواقع الجديد، المفهوم التقليدي للنقود على أنها مخزن للقيمة تعرض للاهتزاز فارتجت منظومة التجارة كلها بمفاهيمها السائدة، البنوك تجاوزت بسنوات ضوئية مفهوم “المصرف” الذي يقدم لك خدمة التخزين بمقابل مما جعلها أكثر من بنوك وأحيانا أقوى من دول، كل شيء في تفاصيل حياتنا تغير فجأة وبوقت قياسي لم يمنحنا حتى ترف الشعور بالصدمة، فارتبك العالم ولا يزال.

اقرأ أيضاً:  من يطرد الاستثمارات الوافدة للأردن؟

الدولة – كمفهوم تقليدي- تعرضت للتغيير أيضا، وهذا انعكس على منظومة العلاقات الدولية وعالم الدبلوماسية فيه، العلاقات بين الدول تتشكل من جديد على أسس مختلفة الآن، ومن يملك جيوشا ضخمة مجهزة بالعتاد الضخم يمكن أن يواجه صعوبة في هزيمة من يملك أجهزة صغيرة جدا وفتاكة قادرة على ان ترى وتسمع وتقتل، ومن يملك الثروة المالية الضخمة عليه ان يراجع نفسه كثيرا قبل التوهم بقوته إن لم يكن قد وجد الاستثمار الأمثل لأمواله في ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية.

اقرأ أيضاً:  الضريبة المنسية

“الذكاء الصناعي” أحد أهم المتغيرات الجديدة في عالمنا، ولا نتحدث هنا عن مهزلة فتح التخصصات الدراسية الجديدة في الجامعات الأردنية هكذا وبسهولة لدراسة “الذكاء الصناعي”، فكل ما في الأمر هنا هو ذات نموذج “محلات الخلوي”، ينجح أحدهم بفتح محل خلوي مبهر الإضاءة والديكور فيزدحم الشارع نفسه بمحلات تشبهه تتنافس بالإبهار، والخلويات بمجملها مستوردة من ذات المصدر او مستعملة، وهكذا التخصص الجديد الذي أخضعته قواعد سوق “التعليم العالي” الأردني لقواعد “دكاكين الحارة” بل واستسهلت بعض الجامعات حضور “الذكاء الصناعي” في كلياتها وأقسامها ولم تتردد ان تضع لتدريسه أساتذة أقسام الحاسب الآلي في خلط مذهل “ومؤسف” للمعرفة والعلوم.

الذكاء الصناعي صناعة وتجارة عالمية ومعرفة ثورية وحروب مخابرات من نوع جديد في العالم، تتشارك كما تتقاطع او تتضارب فيه مصالح دول مع شركات عابرة للقارات ولوبيات وجماعات مصالح للوصول إلى صيغة تسيطر على ذكاء متفوق “بشكل يومي” صنعه البشر ويكاد يفلت من سيطرتهم.

اقرأ أيضاً:  رقابة النواب على الإصدارات الثقافية

لسنا بحاجة إلى عشرات الكليات الجامعية التي تتوهم تدريس “الذكاء الصناعي”، ربما نحتاج معهدا متخصصا واحدا يكتفي بعدد محدود من الطلاب المتميزين لخوض غمار هذا القطاع الجديد، وأنا أعرف أن في الأردن من تخصصوا واستثمروا انفسهم في المعرفة التكنولوجية وعالم المعلوماتية، وهؤلاء قيد التأسيس لكنهم ثروة معرفية مهدورة.

الدولة الأردنية لديها فرصة في خوض غمار هذه المعرفة الجديدة، هذا المتغير الذي لا يتطلب رأس مال له إلا الإنسان، فلا خيل ولا غاز نهديها ولا مال، ولنطلب هذا العلم حتى لو في “راواندا”!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى