مقالات

الحظر الشامل أخطر من الفيروس

فهد الخيطان

لنكن أكثر وضوحا مع الناس، العودة لخيار الحظر الشامل كما طبقناه في بداية أزمة كورونا ليس ممكنا على الإطلاق، لأنه خيار مدمر وأكثر فتكا من الفيروس. وربما يأتي وقت في المستقبل لتقييم تجربتنا الأولى وعندها نكتشف أننا لم نفعل الصواب، عندما أغلقنا جميع القطاعات وعطلنا العمل في مختلف المؤسسات في القطاعين العام والخاص.

لسنا في معرض لوم المسؤولين والحكومة على ذلك القرار، فالعالم كله كان يبحث عن طريقه في مواجهة أزمة غير مسبوقة. وكان هاجس الجميع صحة الناس وحياتهم كأولوية تتقدم على سواها من الأولويات.

بعد تجارب الأشهر الماضية، تأكد بالدليل القاطع أن الحكومات حول العالم غير قادرة على التعامل مع أزمتين؛ كورونا والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الإغلاق والحظر الشامل، ولا بد من تطوير مقاربة جديدة، وهو ما حصل فعليا، تضمن إجراءات فعالة لمكافحة الفيروس، واستمرار العمل في معظم القطاعات الحيوية والاقتصادية.

موجة كورونا الثانية التي داهمت الأردن مبكرا بسبب أخطاء وتقصير في التعامل مع الحركة على المعابر الحدودية، وعدم القدرة على احتواء حالة التفشي فرضت نفسها بشكل مستعجل، في وقت كانت فيه التقديرات تشير إلى أن المواجهة الثانية مع الفيروس ستحل في فصل الشتاء.

حصل ارتباك واضح في إدارة الأزمة، أفضى إلى الانتقال لمرحلة التفشي المجتمعي، ودفع ذلك بالسلطات إلى اتخاذ قرارات بالحظر الشامل المناطقي، وتطوير منظومة عملياتية تسمح بتقييد الحركة، دون إغلاق القطاعات.

ينبغي أن نطور قدراتنا على هذا الطريق، وبالأمس فقط بدأنا بتطبيق الأسلوب في العاصمة عمان، حيث الاختبار الأهم لقدرتنا على تحقيق الأهداف المرجوة.

لسنا في وضع يسمح بتسطيح المنحى الوبائي حاليا، فالاصابات في ازدياد، وهي مرشحة لتسجيل أرقام مرتفعة خلال الأسابيع المقبلة. كل ما يمكن أن نحققه مع قرب فصل الشتاء، هو تخفيض أعداد المصابين وحصرهم قدر المستطاع، وتطوير تجربة الحجر المنزلي، وفرض الإغلاقات الجزئية في المناطق التي تشهد معدلات إصابة مرتفعة.

لكن الأهم من ذلك كله، هو تحويل لبس الكمامات إلى ثقافة عامة، وتوظيف كل الأدوات المتاحة لإقناع؛ بل إجبار الأغلبية على ارتداء الكمامات.

لقد أصدرت الحكومة حزمة من أوامر الدفاع والتعليمات المشددة لتحقيق هذا الغرض، لكن في الميدان لم نتخذ ما يكفي من التدابير لتنفيذ هذه الأوامر. ورغم التصريحات المتشددة بهذا الخصوص، هناك تراخ في التطبيق وعدم اكتراث واضح ينعكس بشكل مباشر على سلوك الناس. وما تظهره استطلاعات الرأي من تدني مستوى الالتزام بلبس الكمامة خير دليل.

كما ينبغي الحرص على رفع قدرات الجهاز الطبي وتأمينه بكامل احتياجاته، وهو ما يبدو أولوية توليها السلطات المختصة على أعلى مستوى أهمية بالغة، بالنظر إلى المخاطر التي تواجهنا في حال تجاوزت معدلات الإصابة التوقعات. وضمان أن لا تكون العناية بمرضى كورونا على حساب المرضى الآخرين.

وفي خضم الجدل العام حول الوضع الوبائي في المرحلة المقبلة والتقديرات المخيفة حيال معدلات الإصابة، وسبل التعامل معها، يتعين على السلطات المختصة تطوير مصفوفة جديدة، تضع الرأي العام في صورة الوضع المستقبلي وخطط المؤسسات للتعامل مع التطورات تبعا لكل سيناريو محتمل. أما إبقاء الناس في حالة قلق وعدم يقين فسيجلب مزيدا من الارتباك ويضر بالاستقرار العام.

إن مجرد التلويح بخيار الحظر الشامل، يكفي لإرباك حركة الأسواق، وإحداث هزة اقتصادية نحن في غنى عن خسائرها.

الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى