أخبار حياة – وفقاً للمعايير التقليدية يحدث الذكاء الاصطناعي نجاحاً باهراً في العلوم، فقد حصل طالب الدكتوراه السابق، السير ديميس هاسابيس، على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024 لعمله في التنبؤ ببنية البروتينات باستخدام نموذج ذكاء اصطناعي.
وعلى نطاق أوسع، وجدت دراسة حديثة شملت أكثر من 41 مليون ورقة بحثية منشورة في مجلة «نيتشر» أن العلماء الذين يتبنون أساليب الذكاء الاصطناعي ينشرون ثلاثة أضعاف عدد الأوراق البحثية، ويحصلون على خمسة أضعاف الاستشهادات، ويتبوؤون مناصب قيادية أسرع من أولئك الذين لا يتبنونها.
ومع ذلك يُبرز نمط آخر أقل إثارة ارتياحاً، فمع تزايد الأبحاث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يتقلص نطاق البحث العلمي، ففي دراستهم البحثية، وجد أكاديميون في جامعة تسينغهوا أن تبني الذكاء الاصطناعي قلل عدد الموضوعات المدروسة بنسبة 5 %، وأدى إلى انخفاض التفاعل بين الباحثين العاملين على مسائل ذات صلة بنسبة 24 %.
ويبدو أن التكنولوجيا التي تُسرّع المسارات المهنية الفردية تُضيّق في الوقت نفسه نطاق الاستكشاف العلمي الجماعي.
ويعمل الذكاء الاصطناعي بكفاءة عالية حيثما تكون البيانات غنية وموثوقة. يشمل ذلك المشكلات المثبتة ذات مجموعات البيانات الضخمة والمعايير الواضحة. وتركز حوافز الباحثين المهنية التي تكافئ الإنتاج على المجالات التي يحقق فيها الذكاء الاصطناعي نتائج ملموسة.
وهذا ينذر بانسحاب منهجي من المجالات التي يصعب فيها جمع البيانات هيكلياً أو تكون معقدة لدرجة أن الأطر الحالية لا تستطيع تفسيرها بعد. كما أن الأدوات التي تقلل من العوائق تهدد أيضاً بتقليل الاستكشاف.
ويسهل تصور هذا النمط في أي مجال، فحيثما تكون البيانات وفيرة، كالأمراض المدروسة جيداً، والكائنات النموذجية الشائعة، والأنظمة التجريبية الراسخة، يحقق الذكاء الاصطناعي نتائج ملموسة.
أما حيثما تكون البيانات شحيحة، يتقلص الحافز لإجراء البحوث. وهذه المجالات الصامتة هي المجالات التي أنتجت فيها النظرية تنبؤات لم تختبرها أي تجربة بعد؛ لذلك فإن جدوى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي غير مكتملة دون جدوى الاستثمار في البيانات.
لا ينبغي لنا فقط استخراج ما جمعته الأجيال السابقة، بل يجب علينا أيضاً جمع ما ستحتاج إليه الأجيال القادمة. ولعقود طويلة كان علم المناعة مجالاً يعاني من نقص البيانات والتهميش المؤسسي.
وكانت آليات تعرف الجهاز المناعي على الخلايا الشاذة وتدميرها غير مفهومة جيداً، ويصعب دراستها تقنياً، وغير مجدية تجارياً.
وتطلّب الأمر استثماراً عاماً متواصلاً على مدى عقود لبناء البنية التحتية للبيانات والمفاهيم التي جعلت كل شيء آخر ممكناً.
يُعدّ الحاجز الدموي الدماغي اليوم في الوضع نفسه لعلم المناعة قبل خمسين عاماً. وبالفعل يؤثر الخرف ومرض العصبون الحركي والصرع المقاوم للأدوية مجتمعة على ملايين الأشخاص، ومع ذلك لا يزال توصيل الجزيئات العلاجية إلى الدماغ غير محلول إلى حد كبير.
ومن الصعب للغاية قياس ديناميكيات النقل في الأنظمة الحية. ولا توجد حتى الآن مجموعة البيانات الشاملة اللازمة لتوجيه هذا العمل المعقد، لكن سابقة علم المناعة تشير إلى ما يمكن تحقيقه عند بنائها؛ لذلك ينبغي على الحكومات التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي أن تفكر في توجيه استثمارات مماثلة إلى جمع البيانات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إليها حالياً.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد من خلال إنشاء خريطة منهجية للحدود غير المقاسة، مرتبة حسب الفجوة بين تنبؤات نظرية موجودة وما أكدته الملاحظة التجريبية. وسيساعد ذلك الحكومات والجهات الممولة على تحديد المجالات التي يحقق فيها الاستثمار في جمع البيانات أعلى عائد.
إن المخاطر جسيمة، فلطالما كان العلم المحرك الأكثر موثوقية لازدهار البشرية على المدى الطويل، لكن إنتاجيته تعتمد على الحفاظ على آفاق واسعة للاستكشاف؛ لذلك فإن أي نظام يضيّق هذه الآفاق مقابل مكاسب كفاءة قصيرة الأجل يُعد صفقة خاسرة.
