أخبار حياة – تتجه الجيوش وشركات الصناعات الدفاعية حول العالم إلى تطوير جيل جديد من أنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة يعتمد على أسلحة الليزر والميكروويف، في محاولة للتعامل مع التهديد المتزايد الذي تمثله أسراب الطائرات بدون طيار في ساحات القتال الحديثة.
بعض أنظمة الليزر المتقدمة قادرة على إسقاط نحو 30 طائرة مسيّرة في الدقيقة الواحدة
أسلحة الميكروويف لا تستهدف هيكل الطائرة مباشرة، بل تضرب مكوناتها الإلكترونية
وتُصنَّف هذه الأنظمة ضمن ما يُعرف بوسائل “التعطيل غير المباشر”، وهي تقنيات تهدف إلى إسقاط الطائرات المسيّرة أو تعطيلها دون استخدام المقذوفات التقليدية.
تحالف العمالقة ضد التهديدات الجوية
وتشهد هذه التقنيات اهتماماً متزايداً في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تعمل العديد من شركات الصناعات الدفاعية على تطوير أنظمة تعتمد على الليزر عالي الطاقة أو الموجات الميكروية، أو الجمع بين التقنيتين معاً.
وتشمل هذه الشركات كبرى المؤسسات العاملة في القطاع الدفاعي مثل شركة رايثيون وبوينغ ونورثروب غرومان وإلبيت سيستمز، إضافة إلى شركات أخرى متخصصة في التكنولوجيا العسكرية.
ويرتبط الطلب المتزايد على هذه الأنظمة بارتفاع مستوى التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة، خاصة مع ظهور تكتيكات تعتمد على إطلاق أسراب كبيرة منها في وقت واحد، وهو ما يجعل الدفاعات التقليدية أكثر صعوبة وتكلفة.
وفي هذا السياق، أشار الباحث في برنامج الدفاع والأمن عبر الأطلسي في مركز تحليل السياسات الأوروبية، فيديريكو بورساري، إلى أن العديد من الدول تعمل حالياً على تعزيز قدراتها لمواجهة هذا النوع من التهديدات المتنامية.
وأوضح بورساري أن أجهزة إنفاذ القانون في مختلف أنحاء أوروبا تسعى كذلك إلى تطوير قدراتها في هذا المجال، سواء من خلال شراء أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة أو عبر تكثيف برامج التدريب الخاصة بالتعامل مع هذه التكنولوجيا الجديدة.
وتعتمد أنظمة الليزر والميكروويف على توليد قوى غير مرئية قادرة على تعطيل الطائرات المسيّرة أو إسقاطها بطرق مختلفة، إذ يمكن لهذه الأسلحة أن تُسقط الطائرة في ثوانٍ دون ضجيج أو انفجارات، ما يجعلها أدوات فعالة وسريعة الاستجابة في مواجهة التهديدات الجوية الصغيرة.
الليزر.. ثقب في قلب الهدف
تعتمد تكنولوجيا الليزر عالي الطاقة على الدقة المتناهية والتركيز البصري، فبحسب توضيح الدكتور أندرياس شوير، المدير التنفيذي لشركة “إلكترو أوبتك سيستمز” الأسترالية، المتخصصة في تطوير أنظمة الليزر عالية الطاقة، فإن الليزر يعمل في المجال البصري ويقدم تأثيراً فيزيائياً مباشراً، ويتميز بدقة استهداف كبيرة مقارنة بالأسلحة الأخرى.
ويضيف: “نحن نحرق ثقباً في جسم المسيّرة خلال أجزاء من الثانية، وبسبب متلازمة الارتفاع المفرط في الحرارة، يبدأ الهدف بالاحتراق أو الانفجار إذا كان يحتوي على مواد قابلة للاشتعال في الداخل”.
وتكشف التفاصيل التقنية أن كفاءة هذه الأسلحة تزداد في الأجواء الباردة والصافية، حيث تعمل الرطوبة والحرارة كعوامل تشتيت للحزمة الضوئية.
وبحسب الشركة المطورة لهذه الأنظمة، فإن بعض أنظمة الليزر المتقدمة قادرة على إسقاط نحو 30 طائرة مسيّرة في الدقيقة الواحدة، مع تطور مستمر في القدرات التقنية. كما يتزايد الطلب على هذه الأنظمة لحماية البنى التحتية الحيوية على اليابسة، إلى جانب اهتمام متنامٍ بتطوير نسخ بحرية منها لحماية السفن والمنشآت البحرية.

الميكروويف.. جدار طاقة يشلّ الإلكترونيات
في المقابل، تعتمد أسلحة الميكروويف على نهج مختلف تماماً، إذ تستخدم موجات كهرومغناطيسية عالية القدرة لإنشاء مجال طاقة قادر على تعطيل الأنظمة الإلكترونية للطائرات المسيّرة.
ويشير آندي لوري، الرئيس التنفيذي لشركة “إبيروس” المتخصصة في تطوير هذه التكنولوجيا، إلى أن هذه الأنظمة لا تستهدف هيكل الطائرة مباشرة، بل تضرب مكوناتها الإلكترونية.
ويشبّه لوري الفرق بين التقنيتين بالفرق بين صاعقة مركزة وسحابة طاقة واسعة التأثير، فبينما يطلق الليزر شعاعاً دقيقاً نحو هدف محدد، تعمل أسلحة الميكروويف على خلق مجال تداخل كهرومغناطيسي يعطل الاتصالات والدوائر الإلكترونية للطائرات المسيّرة داخل منطقة معينة.
وتستخدم هذه الأنظمة تقنية تعتمد على نطاق ترددي ضيق لإنتاج موجات طاقة نبضية مكثفة، تربك الأنظمة الإلكترونية للطائرات المسيّرة وإخراجها عن الخدمة بالكامل
ويمكن أن يمتد تأثير هذه التقنية إلى تعطيل محركات السيارات أو القوارب عبر التأثير في أنظمتها الإلكترونية، وهو تأثير يشبه ما يُعرف في الحواسيب بشاشة العطل الزرقاء.
وتعمل الشركات المطورة لهذه التكنولوجيا بشكل وثيق مع الجيش الأمريكي، بما في ذلك قيادة العمليات الخاصة، فيما تشير البيانات إلى تزايد الاهتمام الدولي بهذه الأنظمة مع تصاعد تهديد الطائرات المسيّرة.

“قتلة صامتون” في ساحة المعركة
ورغم اختلاف آلية العمل بين الليزر والميكروويف، فإن كلا النظامين يشتركان في ميزة استراتيجية كبرى، ألا وهي “الصمت التام”؛ فالسلاح الليزري لا يُرى ولا يُسمع، بينما تسقط الطائرات فجأة تحت تأثير السلاح الميكروويفي كأنها أصيبت بسكتة قلبية تقنية.
هذا بالإضافة إلى ميزة القدرة على التعامل مع أنواع متعددة من الطائرات المسيّرة، بما في ذلك الطائرات المرتبطة بأسلاك أو تلك التي تعمل ضمن شبكات اتصال معقدة.
ويشير الخبراء إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الجيوش حالياً يتمثل في ما يُعرف بهجمات “السرب”، حيث يهاجم عدد كبير من الطائرات المسيّرة هدفاً واحداً في وقت متزامن.
ويقول آندي لوري إن هذا النوع من الهجمات كان معروفاً سابقاً في المجال السيبراني، حيث تحاول جهة ما إغراق نظام واحد بعدد هائل من الهجمات الرقمية، لكن المعركة الآن انتقلت إلى العالم المادي باستخدام الطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس التطور المذهل في الحروب الحديثة، حيث تحول الصراع من المجال السيبراني الرقمي إلى المجال الفيزيائي الملموس.
الدفاعات التقليدية ما زالت حاضرة
ورغم التطور السريع في تقنيات الليزر والميكروويف، يرى خبراء الدفاع أن الأنظمة التقليدية لمواجهة الطائرات المسيّرة ستظل تلعب دوراً مهماً في المستقبل القريب، وتشمل هذه الأنظمة طائرات مسيّرة اعتراضية صغيرة تُستخدم لمطاردة الطائرات المعادية وإسقاطها.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الطائرات الاعتراضية تعد من أكثر الوسائل فاعلية من حيث التكلفة في مواجهة الطائرات المسيّرة، إلا أن استخدامها يواجه تحديات تتعلق بالحاجة إلى عدد كبير من المشغلين المدربين؛ وأبرز مثال على ذلك هو ما يحدث في أوكرانيا، حيث يجري إنتاج أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الاعتراضية، لكن نقص المشغلين المدربين يحد من القدرة على استخدامها بكفاءة، إذ لا يواكب التدريب معدل الإنتاج المتزايد.
ومع استمرار تطور الطائرات المسيّرة وقدرتها على تنفيذ مهام هجومية معقدة، يتوقع الخبراء أن تصبح أسلحة الليزر والميكروويف جزءاً أساسياً من منظومات الدفاع الحديثة، فهذه التقنيات توفر خيارين مختلفين في مواجهة التهديدات الجوية الصغيرة: إما “سيف” يدمّر الهدف مباشرة كما في الليزر، أو “درع” يعطّل إلكترونياته كما في الميكروويف.
وفي ظل هذا السباق التكنولوجي المتسارع، تبدو معركة السيطرة على السماء في الحروب المستقبلية مرتبطة بشكل متزايد بأسلحة الطاقة الموجهة، التي قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد أهم خطوط الدفاع ضد أسراب الطائرات المسيّرة.



