المجالي يكتب: الاستجابة الإعلامية البطيئة ثغرة في جدار المنعة الوطنية

فراس المجالي

استقرار الأوطان وسلامة مجتمعاتها في الظروف المفصلية لا يرتكز فقط على قوة السلاح أو مناعة الحدود، بل يعتمد بصفة أساسية على عُرَى الثقة بين القيادة والشعب.

ولطالما كانت تلك العلاقة في الأردن مثالاً فريداً للانتماء الطوعي القائم على الاحترام والمحبة المتبادلة، بعيداً عن مفاهيم السطوة والإكراه التي تحكم علاقة المحكوم بالحاكم في نماذج أخرى.

​و مع تعقد المشهد الإقليمي الراهن ودخول المنطقة في أتون حرب المَسيرات والتراشق الصاروخي، يجد المواطن الأردني نفسه في مهب القلق والترقب، ليس شكّاً في حرص دولته على مصلحته، بل لغياب الأدوات الرسمية القادرة على مواكبة تدفق المعلومة في عصر الإعلام البديل والافتراضي الذي يمتاز بالسرعة والانتشار الأفقي الفعّال.

​ويمكن تحليل هذا المشهد عبر ثلاثة محاور جوهرية؛ أولها أنَّ صِدقية الدولة تُستمد من قدرتها على ملء الفراغ المعلوماتي قبل أن تستوطنه الإشاعات، وثانيها أنَّ الشفافية في التعاطي مع الأحداث الأمنية -كأنباء استهداف قاعدة عسكرية على أرض الوطن- تعكس قوة الدولة لا ضعفها، وثالثها أنَّ تعزيز الثقة الشعبية بقواتنا المسلحة يتطلب ظهيراً إعلامياً حكومياً وغير حكومي يمتلك سرعة الاستجابة لشرح طبيعة التهديدات والتدخلات الخارجية.

​قد يزعم البعض، بنيّة الحرص، أنَّ مقتضيات الأمن القومي وسرية العمل العسكري تفرضان التكتم المطلق حمايةً للمعنويات وحرماناً للعدو من رصد نتائج اعتداءاته، وهذه حُجّة تملك وجاهة في الحروب التقليدية المغلقة، بيد أنَّ المضيَّ في هذا المنطق إلى نهاياته في عصر السموات المفتوحة يؤدّي بنا إلى نتيجة مستحيلة.

ولو افترضنا أنَّ حجب المعلومة الرسمية يحمي الجبهة الداخلية، لوجدنا أنَّ النتيجة الواقعية هي دفع المواطن مُرغماً للارتماء في أحضان قنوات إقليمية وأجنبية بحثاً عما يجري في عقر داره، مما يجعل وسيلة الحماية بالصمت هي الأداة الكبرى لتقويض الأمن الوطني عبر تسليم عقول المواطنين لآلة إعلام الآخَر.

​فلم يعُد تطوير أدوات الاتصال الجماهيري مجرد استحقاق تقني، بل بات ركيزة سيادية تتناغم بعمق مع الرؤية الاستراتيجية التي وجه بها جلالة الملك عبد الله الثاني لإعادة هيكلة وتطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.

تلك الرؤية الطموحة التي تستهدف تحقيق تحول بنيوي شامل خلال السنوات الثلاث القادمة، تجعل من القدرة على إدارة المعلومة وبناء الرواية الوطنية الواثقة جزءاً لا يتجزأ من مفهوم المنعة العسكرية والجاهزية القتالية، لأنَّ الشفافية هي الترياق الوحيد للقلق الشعبي، ولأنَّ المواطن الذي يثق في جيشه لا يخشى معرفة الحقيقة بقدر ما يخشى الجهل بها، ولأنَّ صدق الرواية الوطنية هو ما يُبقي الجبهة الداخلية عصيّة على الاختراق.

​إنَّ الأردن الذي صمد بوجه العواصف بحكمة قيادته، يستحق إعلاماً يرتقي لمستوى تلك العلاقة الوجدانية بين العرش والشعب، لتبقى الرواية وطنية المصدر واليقين، صوناً لهيبة الدولة وصدق رسالتها.