أخبار حياة – في لحظةٍ تحاول فيها حكومة الاحتلال تسويق رواية “التعافي” بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة على غزة وما رافقها من استنزاف مالي وعسكري غير مسبوق، تعود طبول الحرب لتقرع على جبهات جديدة، واضعةً الاقتصاد أمام اختبار قاسٍ بين مؤشرات انتعاش جزئية وكلفة عسكرية متصاعدة قد تُبدّد تلك المكاسب سريعًا.
فمنذ مطلع العام الجاري، أظهر الاقتصاد الإسرائيلي مؤشرات تحسّن ملحوظة؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، وتحسّنت معدلات النمو، وتراجع التضخم، وانخفضت البطالة، بالتوازي مع ارتفاع مستويات الاستهلاك وزيادة الاستثمارات الأجنبية. غير أن هذه الصورة الإيجابية بدت، في المقابل، أقل تماسكًا عند النظر إلى المؤشرات المالية العامة، حيث ظل العجز الحكومي والدين العام عند مستويات مرتفعة، رغم ارتفاع جباية الضرائب في الربع الأخير من العام الماضي والشهر الأول من العام الحالي.
وكانت التقديرات الإسرائيلية تراهن على أن يشكّل عام 2026 نقطة تحوّل نحو تعافٍ أوسع بعد عامين من حرب الإبادة على غزة. إلا أن توسيع المواجهة لتشمل إيران واحتمال امتدادها إلى جبهة لبنان يهددان بتقويض هذا المسار، ويدفعان الاقتصاد إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين.
تداعيات تتجاوز الحدود
ولا تقتصر آثار العدوان الإسرائيلية – الأميركية على إيران وحزب الله على الساحة الإقليمية، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، ولا سيما عبر أسواق الطاقة والتجارة الدولية. فقد ارتفع سعر برميل النفط في الأيام الأولى للتصعيد بنحو 20%، من حوالى 65 دولارًا إلى قرابة 80 دولارًا، ما ينذر بموجة تضخمية جديدة عالميًا، واضطرابات في أسواق المال.
وفي هذا السياق، حذّرت صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية في تقرير نشرته يوم 3 مارس/ آذار من أن ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاطر الجيوسياسية قد يعرقلان تعافي الاقتصاد العالمي، ويقيدان الاستثمارات، ويضعفان الاستهلاك، ويؤثران في قدرة الأسواق على توليد فرص عمل جديدة، وهي عوامل أساسية لدعم النمو.
في سياق مواز، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي كلفة عسكرية مباشرة، واقتصادية غير مباشرة، فالحرب تعتمد على عمليات جوية تستخدم أحدث الصواريخ والتقنيات المتقدمة، إضافة إلى أنظمة الاعتراض والدفاع الجوي، وهي جميعًا أدوات عالية التكلفة.
وحتى الآن، خُصصت ميزانية إضافية تقارب 9 مليارات شيكل لوزارة الأمن لتغطية النفقات الأولية للعدوان على إيران، غير أن هذا الرقم يُعد تقديرًا مبدئيًا مرشحًا للارتفاع تبعًا لتطورات المواجهة ومدتها.
وللمقارنة، بلغت التكلفة العسكرية المباشرة للعدوان السابق على إيران الصيف الماضي نحو 20 مليار شيكل، فيما تشير تقديرات أولية إلى أن كلفة الجولة الحالية قد تصل إلى نحو 25 مليار شيكل.
غير أن التجربة السابقة تُظهر أن الكلفة الفعلية تتجاوز بكثير الإنفاق العسكري المباشر. فبحسب تحليل نشرته الصحفية الاقتصادية ميراف أرلوزوروف في “ذي ماركر” (2 آذار/مارس)، واستنادًا إلى حرب استمرت 12 يومًا وبلغت كلفتها العسكرية نحو 19 مليار شيكل، فإن الضرر الاقتصادي الإجمالي كان أعلى بكثير نتيجة الشلل الذي أصاب النشاط الاقتصادي. وتقدّر وزارة المالية أن كلفة الحرب الحالية قد تصل إلى نحو 30 مليار شيكل.
خسائر وفجوة مالية بلا موازنة
تعطّل النشاط الاقتصادي، ولو جزئيًا، ينعكس مباشرة في تراجع الناتج المحلي وارتفاع احتمالات البطالة. ووفقًا لما نشرته صحيفة “كلكاليست”، تقدّر وزارة المالية خسارة النشاط الاقتصادي نتيجة قيود قيادة الجبهة الداخلية بنحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعيًا. وفي حال تقليص القيود والانتقال إلى نشاط جزئي قرب الملاجئ أو الأماكن المحصّنة، تنخفض الخسارة إلى نحو 4.3 مليارات شيكل أسبوعيًا.
كما يُتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى زيادة أسعار السلع والخدمات داخل إسرائيل، ما يهدد بعودة الضغوط التضخمية بعد تراجعها مؤخرًا.
وكان هذا الاحتمال من بين الاعتبارات التي دفعت بنك إسرائيل إلى الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير الشهر الماضي، وسط تحذيرات من تأثير أي تصعيد مع إيران على الاستقرار السعري.
تتفاقم هذه التحديات في ظل غياب إقرار موازنة الدولة لعام 2026 حتى الآن. فالنفقات الحكومية تُحتسب وفق موازنة العام الماضي، ما يخلق فجوة بين الإنفاق الفعلي والاحتياجات الاقتصادية الراهنة تُقدّر بنحو 45 إلى 55 مليار شيكل.
ووفق تحليل أرلوزوروف، حتى في حال تحققت التوقعات المتفائلة بشأن كلفة الحرب واستمرار نمو الإيرادات الضريبية، ستظل الحكومة أمام فجوة لا تقل عن 50 إلى 60 مليار شيكل مقارنة بالاحتياجات الفعلية. ويصف مسؤولون كبار في وزارة المالية هذا الوضع بأنه غير مسبوق، إذ يجري خوض حرب في ظل فجوات مالية واسعة بهذا الحجم.
مغامرة مزدوجة
في ضوء ذلك، لا تبدو حكومة الاحتلال مقبلة على مغامرة عسكرية فحسب، بل على مقامرة اقتصادية كذلك. فإلى جانب احتمال اتساع العجز المالي، المحدد في مقترح موازنة العام الحالي بنسبة 3.9% من الناتج المحلي، يُرجّح أن يرتفع الدين العام، مع تنامي الضغوط على التصنيف الائتماني لإسرائيل، وربما خطر خفضه.
وهكذا، وبينما تحاول تل أبيب تثبيت سردية التعافي بعد حرب غزة، تعود الكلفة العسكرية لتفرض نفسها بقوة على المشهد الاقتصادي، في معادلة تُظهر أن مسار “الانتعاش” يبقى رهين قرار الحرب وحدودها، وأن أي توسّع في الجبهات قد يُعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر.
